# من رؤية 2030 إلى إكسبو والمونديال: البُعد القانوني للطموح السعودي

تستعد المملكة العربية السعودية لاستضافة حدثين عالميين غير مسبوقين في تاريخها: معرض إكسبو 2030 في الرياض، و**كأس العالم FIFA 2034**. ويتركّز الحديث العام — بحكم طبيعته — على الملاعب

# من رؤية 2030 إلى إكسبو والمونديال: البُعد القانوني للطموح السعودي

تستعد المملكة العربية السعودية لاستضافة حدثين عالميين غير مسبوقين في تاريخها: معرض إكسبو 2030 في الرياض، و**كأس العالم FIFA 2034**. ويتركّز الحديث العام — بحكم طبيعته — على الملاعب والفنادق والمطارات والبنية التحتية. لكن خلف كل هذه المشاريع طبقةٌ غالباً ما تبقى غير مرئية حتى تتعثّر الأمور: الطبقة القانونية والتنظيمية.

من واقع عملي في الشأن القانوني والامتثال، أرى أن الجاهزية القانونية ليست عنصراً مكمّلاً يُضاف في النهاية، بل هي الأساس الذي يحدّد ما إذا كانت هذه المشاريع ستُنجَز في الوقت المحدّد، وتجذب الاستثمار، وتصمد أمام التدقيق الدولي. في هذا المقال أستعرض أبرز الجبهات القانونية التي ينبغي على المؤسسات — حكومية وخاصة، محلية وأجنبية — أن تستعد لها من الآن.

2.jpg

أولاً: حجم الحدثين يضاعف حجم المخاطرة القانونية

لنضع الأرقام في سياقها. من المتوقّع أن يجذب إكسبو 2030 نحو 40 مليون زيارة خلال ستة أشهر فقط، على موقع تبلغ مساحته ستة ملايين متر مربع شمال الرياض. أما كأس العالم 2034 فسيكون الأول الذي يضم 48 منتخباً، موزّعاً على مدن متعددة تشمل الرياض وجدة والخبر ونيوم وأبها، مع خطط لأكثر من 230 ألف غرفة فندقية على مستوى المملكة.

كل رقم من هذه الأرقام يحمل خلفه التزامات قانونية: عقوداً، وتراخيص، وبيانات ملايين الزوّار، ونزاعات محتملة، ومسؤوليات تقع على عاتق جهات متعددة. وكلما كبر الحجم، تضاعف أثر أي ثغرة قانونية — فالخطأ الذي قد يكون هامشياً في مشروع صغير يصبح أزمة في مشروع بهذا الحجم.

ثانياً: حماية البيانات الشخصية (PDPL) لم تعد اختياراً

3.jpg

دخل نظام حماية البيانات الشخصية (PDPL) حيّز التنفيذ الكامل في 14 سبتمبر 2024، بعد انتهاء فترة السماح، وتشرف عليه الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا). والأهم: لم يعد النظام مجرد نص على الورق، بل دخل مرحلة الإنفاذ الفعلي، مع صدور عشرات القرارات والعقوبات بحق جهات مخالفة خلال العام الأول من الإنفاذ.

ما علاقة ذلك بإكسبو والمونديال؟ العلاقة جوهرية:

- ملايين الزوّار يعني معالجة كميات هائلة من البيانات الشخصية — من حجوزات وتذاكر وأنظمة دخول وتطبيقات وكاميرات ذكية.
- النظام له أثر يتجاوز حدود المملكة، فهو يطبّق على أي جهة — محلية أو أجنبية — تعالج بيانات أفراد مقيمين في السعودية. وهذا يعني أن الشركاء الأجانب والرعاة والمورّدين الدوليين خاضعون له.
- نقل البيانات خارج المملكة بات محكوماً بضوابط محدّدة ومتطلبات ضمانات، بموجب لائحة نقل البيانات الصادرة عن سدايا.

أي حل تقني أو منصة رقمية تُبنى لهذين الحدثين دون أن تُراعي PDPL من التصميم الأول، تضع الجهة المنظِّمة أمام مخاطر غرامات ومساءلة وإضرار بالسمعة في أكثر اللحظات حساسية — حين تكون أنظار العالم متجهة إلى المملكة.

ثالثاً: الاستثمار الأجنبي بإطار قانوني جديد

4.jpg



أحد أهم التطورات التي ترافق هذه المرحلة هو نظام الاستثمار الجديد الذي دخل حيّز النفاذ في 7 فبراير 2025، ليحل محل نظام الاستثمار الأجنبي القديم لعام 2000.

التغيير ليس شكلياً. النظام الجديد:

- يضمن معاملة متساوية بين المستثمر المحلي والأجنبي في الظروف المماثلة.
- يستبدل نظام الترخيص بنظام التسجيل، مما يبسّط الدخول إلى السوق.
- يوفّر حماية ضد نزع الملكية إلا بحكم قضائي نهائي ومقابل تعويض عادل.
- يعزّز حماية حقوق الملكية الفكرية والأسرار التجارية.

بالنسبة للشركات الأجنبية التي تتطلع للمشاركة في مشاريع إكسبو والمونديال — سواء في الإنشاء أو التقنية أو الضيافة أو الرعاية — فإن فهم هذا الإطار الجديد، إلى جانب نظام الشركات المُحدّث (2023) ونظام المعاملات المدنية (2023)، شرط أساسي لدخول السوق بثقة وأمان قانوني.


رابعاً: الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PSP) ومخاطر العقود

5.jpg



جزء كبير من البنية التحتية لهذين الحدثين سيُنفَّذ عبر نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، التي ينظّمها نظام التعامل مع القطاع الخاص (PSP Law) — أول نظام رسمي شامل من نوعه في المملكة.

هنا تبرز تحديات قانونية دقيقة:
- توزيع المخاطر بين الجهة الحكومية والمستثمر الخاص ومموّليه، خاصة في مشاريع ذات جداول زمنية صارمة لا تقبل التأخير (الملاعب لا يمكن أن تتأخر عن موعد المباراة).
- حقوق الملكية الفكرية في الحلول المبتكرة والمقترحات غير المطلوبة (Unsolicited Proposals).
- متطلبات المحتوى المحلي وأحكام مكافحة الاحتكار المنصوص عليها في اللوائح التنفيذية.

أي خلل في صياغة هذه العقود أو في توزيع المسؤوليات قد يتحوّل لاحقاً إلى نزاع مكلف، أو تأخير في مشروع لا يحتمل التأخير بطبيعته.

خامساً: الملكية الفكرية والعلامات التجارية

6.jpg



مع حدثين بهذا الحجم العالمي، تصبح حماية الملكية الفكرية ساحة معركة حقيقية: شعارات الأحداث، العلامات التجارية للرعاة، حقوق البث، والمنتجات الرسمية — كلها أصول عالية القيمة ومستهدفة بالتقليد والانتهاك.

وقد خطت المملكة خطوات مهمة في هذا الاتجاه: انضمامها إلى بروتوكول مدريد للتسجيل الدولي للعلامات التجارية، وإنشاء نيابة الملكية الفكرية التي تحقّق وتباشر الدعاوى الجزائية في قضايا الانتهاك. لكن تبقى الحاجة قائمة لاستراتيجية حماية استباقية، خاصة مع توقّع تدفّق هائل للمنتجات والبضائع المرتبطة بالحدثين.

سادساً: الذكاء الاصطناعي والحوكمة التقنية

6.jpg


ستعتمد إدارة هذين الحدثين بشكل كبير على حلول الذكاء الاصطناعي — من أنظمة إدارة الحشود والمرور، إلى الترجمة الفورية، إلى الأمن والمراقبة الذكية. وهنا يلتقي بُعدان: التقني والقانوني.

ضوابط سدايا لحوكمة وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب PDPL، ترسم الإطار الذي يجب أن تعمل ضمنه هذه الأنظمة. والسؤال القانوني الجوهري الذي يجب أن يُجاب عنه قبل الإطلاق لا بعده: من يتحمّل المسؤولية حين يصدر نظام آلي قراراً خاطئاً يمسّ فرداً أو جهة؟



الخلاصة: الجاهزية القانونية استثمار لا تكلفة

7.jpg


تتسارع المملكة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، وهذان الحدثان من أبرز محطاتها. والدرس الذي يتكرّر في كل مشروع كبير حول العالم هو ذاته: الحلول التي تُبنى دون غطاء قانوني سليم من البداية، تتعثّر لاحقاً — والإصلاح المتأخر دائماً أكلف من البناء الصحيح من اليوم الأول.

الجاهزية القانونية ليست عائقاً أمام الطموح، بل هي ما يحميه. وكلما بدأت المؤسسات — حكومية وخاصة — في دمج البُعد القانوني والامتثالي ضمن تخطيطها مبكراً، كانت أقدر على تحويل هذين الحدثين إلى نجاح يليق بمكانة المملكة.

العدّ التنازلي قد بدأ. والاستعداد القانوني يجب أن يبدأ معه.

---

*ما رأيكم؟ ما الجبهة القانونية التي ترونها الأكثر إلحاحاً في الاستعداد لهذين الحدثين؟ يسعدني قراءة وجهات نظركم في التعليقات.*

**شركة محمود الثمالي للمحاماة والاستشارات القانونية والتحكيم ®**
*نواكب طموح المملكة بخبرة راسخة*